الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

194

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده ، فإنه من الجمال الذي يحبه ، وذلك من شكره على نعمه ، وهو جمال باطن ، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها ، ولأجل محبته تعالى للجمال أنزل على عباده لباسا يجمل ظواهرهم ، وتقوى تجمل بواطنهم فقال تعالى : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ « 1 » . وقال في أهل الجنة : وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ( 11 ) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً « 2 » . وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة ، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والهيئة ، فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله . ولكن ضل في هذا الموضع فريقان : فريق قالوا : كل ما خلق اللّه تعالى جميل ، فهو يحب كل ما خلقه ، ونحن نحب جميع ما خلقه فلا نبغض منه شيئا ، قالوا : ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة ، واحتجوا بقوله تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ « 3 » . وهؤلاء قد عدموا الغيرة للّه من قلوبهم ، والبغض في اللّه ، والمعاداة فيه ، وإنكار المنكر وإقامة الحدود . والفريق الثاني ، قالوا : قد ذم اللّه جمال الصور ، وتمام القامة والخلقة ، فقال عن المنافقين وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ « 4 » . وفي صحيح مسلم مرفوعا « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » « 5 » ، قالوا : وقد حرم اللّه علينا لباس الحرير والذهب ، وآنية الذهب والفضة ، وذلك من أعظم جمال الدنيا . وقال تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 26 . ( 2 ) سورة الإنسان : 11 ، 12 . ( 3 ) سورة السجدة : 7 . ( 4 ) سورة المنافقون : 4 . ( 5 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2564 ) في البر والصلة ، باب : تحريم ظلم الإنسان وخذله واحتقاره ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - .